فصل: مناسبة الآية لما قبلها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال ابن عباس رضي اللّه عنه في رواية أبي صالح عنه: هذا كما تقول: حملت إلى بلد كذا وكذا برّا وقمحا، وإنما تريد أمرت بحمله.
فأعلمنا أنهم يكتبونه بأيديهم ويقولون: هو من عند اللّه. وقد علموا يقينا- إذ كتبوه بأيديهم- أنه ليس من عند اللّه.
وقال تعالى: {فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)} [الصافات: 93] لأن في اليمين القوة وشدّة البطش، فأخبرنا عن شدة ضربه بها.
وقال الشّمّاخ:
إذا ما راية رفعت لمجد ** تلقّاها عرابة باليمين

أي أخذها بقوة ونشاط.
وقوله سبحانه: {وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ} [الأنعام: 38]. كما تقول رأي عيني وسمع أذني نفسي التي بين جنبيّ.
وقوله: {وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]. كما تقول: نفسي التي بين جنبيّ.
وقال: {فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ} [البقرة: 196].
أراد توكيد ما أوجبه عليه من الصيام بجمع العددين وذكره مجملا، كما قال الشاعر:
ثلاث واثنتان فهنّ خمس ** وسادسة تميل إلى شمام

وقد تزاد (لا) في الكلام والمعنى: طرحها لإباء في الكلام أو جحد.
كقول اللّه عز وجل: {ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12]. أي ما منعك أن تسجد. فزاد في الكلام (لا) لأنه لم يسجد.
وقوله سبحانه: {وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] يريد وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، فزاد (لا) لأنهم لا يؤمنون إذا جاءت.
ومن قرأها بكسر إنّ، فإنه يجعل الكلام تاما عند قوله: {وَما يُشْعِرُكُمْ ثم يبتدىء فيقول أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ}.
وقوله سبحانه: {وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} (95) [الأنبياء: 95].
يريد أنهم يرجعون، فزاد (لا): لأنهم لا يرجعون.
وقوله سبحانه: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الحديد: 29]. يريد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون، فزاد (لا) في أول الكلام، لأن في آخر الكلام جحدا.
وكذلك قوله أبي النجم:
فما ألوم البيض ألا تسخرا

أي أن تسخرا، فزاد (لا) في آخر الكلام، للجعد في أوله.
وقول العجّاج:
في بئر لا حور سرى وما شعر

فزاده (لا) في أول الكلام، لأن في آخره جحدا.
وأما زيادة (لا) في قوله: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)} [القيامة: 1، 2].
وقوله: {فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16)} [الانشقاق: 16]. و: {لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (1)} [البلد: 1]: فإنها زيدت في الكلام على نية الرّد على المكذبين، كما تقول في الكلام:
لا واللّه ما ذاك كما تقول. لو قلت: واللّه ما ذاك كما تقول، لكان جائزا، غير أن إدخالك (لا) في الكلام أوّلا، أبلغ في الرّدّ.
وكان بعض النحويين يجعلها صلة. ولو جاز هذا لم يكن بين خبر فيه الجحد، وخبر فيه الإقرار- فرق.
و(ألا) تزاد في الكلام للتنبيه.
كقوله: {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثيابهم} [هود: 5] و: {أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} [هود: 8].
وقال الشاعر:
ألا أيّهذا الرّاجزي أحضر الوغى ** وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي

أراد أيّها الزاجري أن أحضر الوغى فزاد (ألا) وحذف (أن).
والباء تزاد في الكلام، والمعنى إلقاؤها.
كقوله سبحانه: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون: 20].
وقوله: {اقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] أي اسم ربك.
و{عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] أي يشربها.
و{هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم: 25] أي هزّي جذع.
وقال: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6)} [القلم: 5، 6] أي أيكم المفتون.
وقال الأعشى:
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا

وقال الآخر:
نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج

وقال امرؤ القيس:
هصرت بغصن ذي شماريخ ميّال

أي: غصنا.
وقال أمية بن أبي الصّلت:
إذ يسفّون بالدقيق وكانوا ** قبل لا يأكلون شيئا فطيرا

وقال: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1].
وقوله: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ} [الحج: 25].
و(من) قد تزاد في الكلام أيضا، كقوله: {ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ} [الذاريات: 57] أي:
ما أريد منهم رزقا.
وتقول: ما أتاني من أحد، أي أحد.
و(اللام) قد تزاد، كقوله سبحانه: {لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154].
و(الكاف) قد تزاد، كقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].
و(على) قد تزاد. قال حميد بن ثور:
أبى اللّه إلا أنّ سرحة مالك ** على كلّ أفنان العضاه تروق

أراد: تروق كلّ أفنان.
و(عن) تزاد قال تعالى: {يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63].
و(إنّ الثقيلة) تزاد كقوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)} [الكهف: 30].
وكذلك قوله: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ} [الجمعة: 8].
وقال الشاعر:
إنّ الخليفة إنّ اللّه سربله ** سربال ملك به ترجى الخواتيم

و(إن الخفيفة) تزاد، كقول الشاعر:
ما إن رأيت ولا سمعت به ** كاليوم هانىء أينق جرب

وقال عز وجل: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ} [الأحقاف: 26].
وقال بعضهم: أراد فيما مكّنّاكم فيه، و(إن) زائدة.
وقال بعضهم: هي بمعنى مكّنّاهم فيما لم نمكنكم فيه.
و(إذ) قد تزاد، كقوله: {وَإِذْ قال رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ} [البقرة: 30].
{وَإِذْ قال لُقْمانُ لِابْنِهِ} [لقمان: 13]. أي: وقال.
وقال ابن ميّادة:
إذ لا يزال قائل أبن أبن

و(ما) قد تزاد، كقوله: {قال عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ} [المؤمنون: 40] {وأَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى} [الإسراء: 110].
و(واو النّسق) قد تزاد حتى يكون الكلام كأنه لا جواب له، كقوله: {حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقال لَهُمْ خَزَنَتُها} [الزمر: 73]. والمعنى: قال لهم خزنتها.
وقوله: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ} [يوسف: 15].
وقوله سبحانه: {فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنادَيْناهُ} [الصافات: 103، 104].
وكقوله: {حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} [الأنبياء: 96، 97].
وقوله: {اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُم} [العنكبوت: 12] أي: لنحمل خطاياكم عنكم.
قال امرؤ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى ** بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل

أراد انتحى.
وقال آخر:
حتّى إذا قملت بطونكم ** ورأيتم أبناءكم شبّوا

وقلبتم ظهر المجنّ لنا ** إن اللّئيم العاجز الخبّ

أراد: قلبتم.
ومما يزاد في الكلام: (الوجه)، يقول اللّه عز وجل: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52]. أي: يريدونه بالدعاء.
{وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] أي: إلا هو.
و{فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] أي: فثمّ اللّه.
و{إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: 9]. أي: للّه.
و(الاسم) يزاد، قال: أبو عبيدة: بِسْمِ اللَّهِ إنما هو باللّه، وأنشد للبيد:
إلى الحول ثمّ السلام عليكما ** ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر

أي: السلام عليكما.
{وتَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} [الرّحمن: 78]، أي: تبارك ربّك. اهـ.

.تفسير الآيات (14- 23):

قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان قد تقدم في إشارة الخطاب الامتنان بخلق الإنسان، ثم ذكر أصول النعم عليه على وجه بديع الشأن، إلى أن ذكر غذاء روحه: الريحان، أتبع ذلك تفصيلًا لما أجمل فقال: {خلق الإنسان} أي أصل هذا النوع الذي هو من جملة الأنام الذي خلقنا الريحان لهم والغالب عليه الأنس بنفسه وبما ألفه.
ولما كان أغلب عناصره التراب وإن كان من العناصر الأربعة، عبر عن إشارة به إلى مطابقة اسمه- بما فيه مما يقتضي الأنس الذي حاصله الثبات على حالة واحدة- لمسماه الذي أغلبه التراب لنقله وثباته ما لم يحركه محرك، وعبر عن ذلك بما هو في غاية البعد عن قابلية البيان فقال: {من صلصال} أي طين يابس له صوت إذا نقر عليه {كالفخار} أي كالخزف المصنوع المشوي بالنار لأنه أخذه من التراب ثم خلطه بالماء حتى صار طينًا ثم تركه حتى صار حماء مسنونًا مبينًا، ثم صوره كما يصور الإبريق وغيره من الأواني ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقر عليه صوت صوتًا يعلم منه هل فيه عيب أم لا، كما أن الآدمي بكلامه يعرف حاله وغاية أمره ومآله، فالمذكور هنا غاية تخليقه وهو أنسب بالرحمانية، وفي غيرها تارة مبدؤه وتارة إنشاؤه، فالأرض أمه والماء أبوه ممزوجين بالهواء الحامل للجزء الذي هو من فيح جهنم، فمن التراب جسده ونفسه، ومن الماء روحه وعقله، ومن النار غوايته وحدته، ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه.